رغم أن المعارك في إقليم تيجراي الإثيوبي قد توقفت بشكل كبير -خاصة في وسط وشرق الإقليم- إلا أن المأساة الإنسانية التي يعيش فيها سكانه منذ نوفمبر الماضي، مازالت متفاقمة ليس فقط بسبب آثار المعارك الماضية، بل أيضًا بسبب النهج الانتقامي الذي اتخذته سلطات أديس أبابا حيال سكان الإقليم، بما في ذلك التضييق على قوافل المساعدات المتجهة إلى الإقليم، وكذلك قطع إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات عن المناطق الوسطى والشرقية للإقليم، وما سبق هذا من اعتداءات ممنهجة على العاملين في الهيئات الإغاثية الدولية الذين قتلت منهم القوات الإثيوبية نحو 12 عامل خلال نهبها لمحتويات مقرات هذه الهيئات، أثناء انسحابها من عاصمة الإقليم “ميكيلي”.

استمرار هذه الأوضاع دفع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال الدورة السابعة والأربعين لانعقاده اليوم، أن يصدر قرارًا يعبر فيه عن القلق العميق إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم في منطقة تيجراي الإثيوبية. في تفاصيل هذا القرار، أعرب المجلس عن بالغ قلقه من التقارير التي تفيد بوقوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وتجاوزات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للاجئين في الإقليم منذ نوفمبر 2020، ودعا المجلس إلى الوقف الفوري لكافة هذه الانتهاكات، والتقيد الصارم باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ودعا إلى انسحاب القوات الإريترية من كافة مناطق إقليم تيجراي بصورة سريعة وقابلة للتحقق.

تضمن القرار أيضًا بندًا متعلقًا بضرورة محاسبة جميع المسؤولين عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني المرتكبة في سياق النزاع داخل الإقليم، وتم في هذا البند التشديد على ضرورة حفظ كافة الأدلة المتوفرة بهذا الشأن وتحليلها من أجل تعزيز عمليات المساءلة المستقبلية لمرتكبي هذه الجرائم، ودعا الحكومة الأثيوبية إلى تهيئة كافة الظروف اللازمة لإجراء تحقيقات وافية ومستقلة ودون أي عوائق حول هذه الانتهاكات، وأعرب البيان عن بالغ قلق المجتمع الدولي من الحالة الإنسانية والأمنية المتردية في إقليم تيجراي، ودعا إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية وضمان الأمن الغذائي داخل الإقليم، وتعزيز جهود الإغاثة الدولية.

ملف حماية جميع المدنيين بما في ذلك العاملين في الحقل الإغاثي كان من ضمن بنود هذا القرار، نظرًا لما سبق ذكره حول استهدافهم من جانب القوات الإثيوبية، فدعا القرار إلى ضمان أمن كافة العاملين في المجال الطبي والإنساني، واتخاذ كافة الخطوات اللازمة التي تسمح للمنظمات الإغاثية بإيصال المساعدات إلى أهالي الإقليم على أكمل وجه وبشكل فوري.

وتضمن البيان بنودًا تدعو إلى دعم نشاط بعثات التحقيق التي تم التوافق على تشكيلها للعمل على الأرض في إقليم تيجراي للبحث في الانتهاكات التي تمت على أراضيه، خاصة اللجنة المشتركة التي وافقت على تشكيلها المفوضية السامية لحقوق الإنسان مع اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان، وكذلك اللجنة التي قررت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب تشكيلها في الثاني عشر من مايو الماضي. 

وقد طالب القرار بتعزيز قدرة اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان على العمل الميداني، وتعزيز نظام العدالة الجنائية والمصالحة بشكل عام في إثيوبيا، على أن تقدم المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى المجلس في الدورة القادمة تقرير شامل عن التقدم المحرز في ملف تعزيز حقوق الإنسان في الإقليم، وعمليات التحقيق في الجرائم المرتكبة فيه.

يأتي هذا القرار في سياق انتقادات دولية متزايدة لانتهاكات حقوق الإنسان في تيجراي، منها تصريح للرئيس الأمريكي جو بايدن أواخر مايو الماضي، أدان فيه الانتهاكات “غير المقبولة” لحقوق الإنسان الناتجة عن الأعمال القتالية في إقليم تيجراي بإثيوبيا، وصرح أمس مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أن الوضع في إقليم تيجراي الإثيوبي “يزداد سوءًا”، لافتًا إلى أن الإقليم تم عزله عن المنطقة.

قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كانت قد قدمته دولة سلوفينيا، ممثلة عن الاتحاد الأوروبي، وحاز على موافقة عشرين دولة، وامتناع ثلاثة عشر دولة عن التصويت، واعتراض أربعة عشر دولة عليه. وقد أصدر مكتب المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية بيانًا علق فيه على هذا القرار، وأعرب البيان عن خيبة أمل الحكومة الإثيوبية إزاءه، وأشار إلى أنها وافقت سابقًا على نشر فريق تحقيق مشترك مؤلف من اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان للتحقيق في الانتهاكات “المزعومة” لحقوق الإنسان في إقليم تيجراي، وأن هذه اللجنة بدأت أعمالها بالفعل في مايو الماضي، ومن المتوقع أن تنتهي من تحقيقاتها الشهر القادم. وأضاف البيان أنه يتم توسيع نطاق التحقيقات من خلال التنسيق بين جهود القضاء العسكري وسلطات إنفاذ القانون الإقليمية والمحققين والمدعين الفيدراليين.

وأشار البيان إلى أنه منذ أن طرح الاتحاد الأوروبي هذا القرار، دعت الحكومة الإثيوبية مجلس حقوق الإنسان إلى سحبه، لأنه حسب تعبير البيان “قرار سابق لأوانه”، ويتعارض مع نزاهة التحقيقات المشتركة الجارية، ومع ذلك لم تتم الاستجابة للدعوة الإثيوبية، ورأى البيان أنه لا يوجد أساس أخلاقي أو قانوني يبرر اعتماد قرار “متسرع وذي دوافع سياسية” مثل هذا القرار، لذا ترفض إثيوبيا هذا القرار بشكل كامل.

Scroll Up