يعتمد نظام القبول في النظام التعليمي المصري على مجموعة من الإجراءات التي تقوم بالأساس على بلوغ الطفل السن المحدد، مرورًا بوجود الكشف الطبي الصادر من التأمين الصحي الواقع في نطاق المدرسة، وغيرها من الخطوات والإجراءات التي تخلو من اختبارات تشخيصية دقيقة لحالة الطفل من حيث خلوه من أنواع الاضطرابات المختلفة باختلاف درجاتها خاصة من الدرجة الخفيفة الى المتوسطة.

ينتج عن ذلك العديد من النتائج غير الجيدة على المدى القريب والبعيد سواء للأسرة والطفل أو على المجتمع بأكمله. وتتبلور الأزمة لاحقًا في عدم وجود تصنيف دقيق لحالة الطفل في مرحلة التعليم الأساسي، وبالتالي حدوث حالة من الخلط بين الأطفال العاديين والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الفصل الدراسي، وهو ما يحرم الطفل ذو الاحتياجات الخاصة من البرامج التعليمية المناسبة لحالته، مما يؤدي إلى تأخر نموه أكاديميا وشخصيا واجتماعيا، بل وتؤدي في بعض الحالات إلى زيادة درجة الاضطراب لديه.

وحسب المعايير الدولية، فإن فئة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم تمثل القسم الأكبر ممن يجري اعتبارهم ذوي احتياجات خاصة.

ويقع على هذه الفئة النصيب الأكبر من الأضرار الناتجة عن غياب البرامج التربوية والتعليمية المناسبة. يرجع ذلك إلى أن الاضطرابات التي يعاني منها الأطفال في هذه الفئة هي اضطرابات خفيه ليست ظاهرة كغيرها من الاضطرابات الأخرى.

والأفراد الذين يعانون من صعوبات في التعلم يكونون عادة أسوياء، ولا يلاحظ المعلم أو الأهل أية مظاهر شاذة تستوجب تقديم معالجة خاصة لهم، بحيث لا يجد المعلمون ما يقدمونه لهم إلا نعتهم بالكسل واللامبالاة أو بالغباء.

وتكون النتيجة المنطقية لمثل هذه الممارسات تكرار الفشل، وإشاعة المشاعر والخبرات السلبية في الأسرة، وربما وصولا إلى تسرب الطفل من التعليم.

من هم الذين يعانون صعوبات التعلم؟

هو مصطلح يصف التلاميذ الذين يظهرون انخفاضا في التحصيل الدراسي بالمقارنة بزملائهم. ومع أن هؤلاء التلاميذ يتمتعون عادة بذكاء متوسط أو حتى فوق المتوسط، إلا أنهم يظهرون صعوبة في بعض العمليات المتصلة بالتعلم: كالفهم، أو التفكير أو التذكر، أو الإدراك، أو تشتت الانتباه، أو القراءة، أو الكتابة، أو التهجي، أو النطق، أو اجراء العمليات الحسابية أو في المهارات المتصلة بكل من العمليات السابقة. ومن الواضح أن هذا القصور لا يدخل ضمن الإعاقات الأخرى المعروفة، كالاضطراب الفكري او الحسي، وأن صعوبات التعلم هي اضطرابات تعليمية خفية وليست ظاهرة.

فئات صعوبات التعلم

تتعدد أنواع صعوبات التعلم، منها:

  • صعوبات نمائية وتتعلق هذه الصعوبات بالوظائف الدماغية، وبالعمليات العقلية والمعرفية التي يحتاجها الطفل في تحصيله الأكاديمي، وقد يكون السبب في حدوثها هو اضطرابات وظيفية تخص الجهاز العصبي المركزي، وتؤثر هذه الصعوبات على العمليات ما قبل الأكاديمية، مثل الانتباه والإدراك والذاكرة والتفكير واللغة، والتي يعتمد عليها التحصيل الأكاديمي، وتشكل أهم الأسس التي يقوم عليها النشاط العقلي المعرفي للفرد.
  • صعوبات أكاديمية وهي الصعوبات المتعلقة بالموضوعات الدراسية الأساسية، وتشمل أنواعاً فرعية هي: صعوبات القراءة (العسر القرائي الدسليكسيا) والكتابة (العسر الكتابي والذي يسمى الديسغرافيا)، والتهجي، وإجراء العمليات الحسابية، وأخيرًا الدسبراكسياوهي الصعوبة في التناسق الحركي، وتظهر في صعوبة التقاط الأشياء.
  • الصعوبات الاجتماعية: طبقًا للدراسات الحديثة فقد تم استحداث صعوبات التعلم الاجتماعية، وتشمل ضعف في تقدير الذات، وضعف في الثقة بالنفس وافتقاد المهارات الاجتماعية الأساسية. وتستمد الصعوبات الاجتماعية أهميتها من تأثيرها الكبير على معظم المواقف الحياتية للفرد.   

ومازال مفهوم صعوبات التعلم وأنواعه قيد الدراسة والتحليل نظرًا للغموض الذي يُحيط بالأسباب الدقيقة لحدوث هذا القصور الأكاديمي والنمائي والاجتماعي.

مشكلات في التعريف وصعوبة في حصر الأعداد

  • إشكالية حصر الاعداد

رغم الأهمية الشديدة لمفهوم صعوبات التعلم، والتقدم الحادث في الدراسات المتصلة به، إلا أن هناك درجة من الغموض لازالت تكتنف مفهوم صعوبات التعلم من جهة، بسبب عدم توفر اختبارات متفق عليها للتشخيص، ومدى مصداقية إجراءات التعرف والتشخيص، الأمر الذي دفع بعض الدارسين للذهاب إلى القوب بأن فئة صعوبات التعلم قد أصبحت كالشماعة التي تعلق عليها كل أصناف المشكلات الأكاديمية، يضاف إلى ذلك التداخل بين ذوي صعوبات التعلم وذوي الاضطرابات الفكرية، بحكم بعض أوجه التشابه في الخصائص العامة لكلتا الفئتين.

وبسبب هذه التحديات، فإن هناك صعوبة في تقدير اعداد ذوي صعوبات التعلم بشكل صحيح، الأمر الذي يجعل من الصعب تخطيط وتنفيذ البرامج التربوية المناسبة، التي تساعد على الاكتشاف المبكر، وسرعة التدخل، والحد من تفاقم المشكلة.

وتشير الدراسات التي بحثت في نسبة انتشار صعوبات التعلم بين الجنسين أن الذكور الذين يعانون من صعوبات في التعلم يفوق عدد الإناث بما يقارب الثلاثة أضعاف، وقد عزى بعض الباحثين المعدلات المرتفعة لدى الذكور إلى العوامل البيولوجية وبعض العوامل الاجتماعية. وجديرًا بالذكر، ان معظم الدراسات والأبحاث غير رسمية وانما هي اجتهادات من الباحثين والمهتمين بهذا المجال، ويتم تحديد الأعداد وفقًا لإجراء الاختبارات التشخيصية على عينة عشوائية من المجتمع في ظل غياب التقارير الرسمية بهذا الشأن للأسباب المذكورة.

  • مؤشرات انتشار ذوي صعوبات التعلم
بنظرة سريعة لبعض مؤشرات انتشار صعوبات التعلم  في العالم نجد ان في الولايات المتحدة الامريكية يُعتبر حقل صعوبات التعلم أكبر حقول التربية الخاصة من حيث عدد التلاميذ الذين يتلقون خدمات التربية الخاصة، وبناء على الدراسات البحثية في الولايات المتحدة الامريكية، بلغت نسبة ذوي صعوبات التعلم 12% (Horowitz, 2014) ،وتتفاوت النسب في الولايات المتحدة تبعا لتقدير كل ولاية للأعداد وفقًا للتعريف التي تتبناه. وفي المملكة المتحدة بحسب إحصائية أجريت عام 2011 يوجد حوالي 21% من الطلاب ذوي صعوبات التعلم (Emerson, 2012). وأشارت بعض الدراسات المسحية في الوطن العربي ان نسبة انتشار صعوبات التعلم في الوطن العربي بين 13- 46% (عواد، 2009).
نحو سياسة وطنية للتعامل مع أصحاب صعوبات التعلم

تفتقر المدارس الى الأساليب الدقيقة في تشخيص مشكلات التعلم بسبب عدم توفر اختبارات وأدوات متفق عليها، بالإضافة الى افتقار المدارس الحكومية لمعلمين تربية خاصة مؤهلين،

الاخصائيين النفسيين والاجتماعيين المزودين بمهارات تطبيق اختبارات الذكاء واختبارات المهارات الاجتماعية، مما يؤدي إلى التأخر في تشخيص حالات صعوبات التعلم، بكل ما لذلك من تأثير سلبي على الطفل، والذي قد يحوله الى حالة مزمنة يصعب علاجها. 

إن صعوبات التعلم بأنواعها ليست ظاهرة أو مشكلة يصعب التعامل معها، وإنما هي احتياج يتطلب تصميم برامج تعليمية واجتماعية على أُسس علمية سليمة قائمة على التشخيص السليم والتدخل المبكر للحد من الزيادة المتسارعة لهذه الفئة. ولعل أولى هذه الخطوات هي:

  • مواجهة مشكلة تقدير اعداد ذوي صعوبات التعلم بشكل صحيح، وذلك عن طريق تشكيل فريق التدخل المبكر يشمل (اخصائي نفسي، اخصائي اجتماعي، طبيب، معلم غرفة المصادر، معلم عادي). بحيث يتواجد الفريق بشكل دائم في المدرسة لحضور المقابلات الأولى مع الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي، لحصر أعداد ذوي صعوبات التعلم ومن ثم تصميم الخطط الفردية، والمشاركة في تنفيذها بشكل صحيح، ومتابعة النتائج.
  • تطوير أدوات قياس وتشخيص علمية متفق عليها، للعمل على اكتشاف ذوي صعوبات التعلم وتصنيفهم ما بين صعوبة التعلم والتأخر الدراسي والتعثر الدراسي والبطء التعليمي.
  • تطبيق نظام التقييم والتقويم المستمر على طلاب التعليم الأساسي بصفة عامة وطلاب ذوي صعوبات التعلم بصفة خاصة لإدخال التعديلات الدورية اللازمة على الخطة الفردية، واكتشاف الحالات الجديدة مبكرًا.
  • إلحاق معلم غرفة مصادر، ومعلمين تربية خاصة، بكل مدرسة، بالإضافة الى انشاء غرفة مصادر في كل مدرسة وهي غرفة مزودة بجميع الوسائل والأساليب والاحتياجات الخاصة بصعوبات التعلم.
  • توفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب، وتهيئة معلمي الصف وأولياء الأمور، من خلال دورات تدريبية على كيفية التعامل مع الطلاب ذوي الصعوبة، وكذلك تثقيفهم بالاستراتيجيات المناسبة لنقل المهمات التعليمية.
  • تعزيز التعاون بين معلم الصف ومعلم التربية الخاصة وأولياء الأمور للوصول إلى نتائج إيجابية.
Scroll Up