أصدرت حركة طالبان بيانًا، اليوم الثلاثاء، حذرت فيه تركيا من إبقاء قواتها في أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة من البلاد، مؤكدة أن قرارًا كهذا “مستهجن”. وأعلنت الحركة في بيانها أن قرار الأتراك ليس حكيمًا، وأنه يمثل انتهاكًا للسيادة والوحدة، وكذلك انتهاكات للتعهدات التي قدمتها أنقرة للحركة في اجتماعات تمت بين الطرفين مؤخرًا حسبما أكد البيان. 

أثار البيان جملة من التساؤلات حول طبيعة رفض حركة طالبان للوجود التركي في أفغانستان على الرغم من إقرار الحركة بوجود قنوات اتصال مع المسؤولين الأتراك. واللافت في هذا البيان ليس تزامنه مع الإعلان التركي بتأمين مطار كابول الدولي؛ بل، في لهجته الحادة لدولة تنظر إليها الحركة من منظور “إسلاموي”، فكيف نفهم موقف حركة طالبان من خطط التواجد العسكري التركي؟

وتيرة نقل متسارعة وأخري ميدانية

لم تشهد الولايات المتحدة زخمًا في حركة طيرانها العسكري الثقيل المخصص لمهام النقل الاستراتيجي للقوات منذ مقتل قائد فيلق القدس “قاسم سليماني” يناير 2020؛ كما تشهد الآن. إذ نفذت واشنطن واحدة من أسرع عمليات النقل التعبوي وتفكيك البني التحتية العسكرية التابعة لها منذ أن بدأت في إجراءات الانسحاب الفعلي من أفغانستان مطلع مايو الماضي. حيث كانت وتيرة نقل القوات والمعدات والخبراء والمستشارين العسكريين والفنيين وحتى المترجمين متسارعة.

هذا التسارع في حركة الطيران العسكري؛ كان يضاهيه تسارع آخر يحدث في ميدان أفغانستان، وتمثل في وتيرة سيطرة حركة طالبان على القري والمدن الأفغانية بالتزامن مع إجلاء السواد الأعظم من قوة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. حيث أعلنت طالبان عن سيطرتها على 85% من الأراضي أفغانستان بما في ذلك معبرين استراتيجيين مع كل من إيران وتركمانستان، في ظرف أسبوعين. 

هذا الضغط الزمني، مثّل معضلة لوجستية بالنسبة للولايات المتحدة، وفاقم من التهديدات الأمنية المتمثلة في اتساع دائرة السيطرة الميدانية لطالبان، لكنه على اتجاه آخر مثل فرصة ذهبية لتركيا للتوصل لصيغة توافقية مع الولايات المتحدة بشأن ضلوع الأولي في مهام تأمين مطار كابول الدولي.

وعبّر عن هذا الاتجاه الرئيس التركي أردوغان منذ منتصف يونيو الماضي، بسلسلة من التصريحات التي تحدثت عن كون بلاده الطرف “الموثوق به” في أفغانستان والذي سيبقي لمواصلة العملية هناك.

وفي المقابلة الأولي بينهما على هامش قمة حلف الناتو، تطرق الرئيس الأمريكي ونظيره التركي للمسألة الأفغانية ومقاربات الدور التركي فيها من خلال مقترح أن تضطلع أنقرة بمهام تأمين مطار كابول. حتى بدأ الاجتماع الأول بين وفدي وزارتي الدفاع التركية والأمريكية في أنقرة، 24 يونيو الماضي لمناقشة المقترح التركي. 

إلا أن ثمة قرارًا واضحًا بشأن الوجود العسكري التركي في أفغانستان في مرحلة ما بعد انسحاب وحدات الجيش الأمريكي وقوات حلف شمال الأطلسي؛ لم يتضح بعد. لكن التطورات اللاحقة بعد قمة الرئيسين جو بايدن وأردوغان أبقت مستوي التنسيق الدفاعي في هذا الشأن على مستوي وزراء الدفاع. إذ أجرى وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن اتصالًا هاتفيًا بنظيره التركي، في 8 يوليو الجاري، تبادلا فيه وجهات النظر حول المخاوف الأمنية، واتفقا على البقاء على اتصال فيما يتعلق بالترتيبات في مطار حامد كرزاي الدولي. حسبما جاء في إيجاز صحفي صادر عن البنتاغون. فيما قال المتحدث باسم البنتاجون جون كيربى للصحفيين وقتها إن “دعم المتطلبات الأمنية” في مطار كابول يظل هدفا رئيسيًا في عملية الانسحاب الأمريكي في أفغانستان.

وكذلك، جدد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، في 13 من يوليو الجاري الحديث عن المحادثات مع واشنطن بشأن تأمين مطار كابول، إن المحادثات مع الأمريكيين إيجابية. لتضافر بذلك مجمل التصريحات الصادرة من المسؤولين الأتراك ونظرائهم الأمريكيين لتؤشر على احتمالية أن تصل المقاربة التركية الأمريكية لمعالجة الوضع الأمني –في العاصمة الأفغانية– على الأقل؛ لصيغة توافقية في المدي المنظور. وعليه؛ جاءت الاستجابة الفورية من حركة طالبان على المقترح التركي في إطار تحذيري من إبقاء أنقرة قواتها البالغ عددها 500 عنصر في أفغانستان. فكيف نفهم التحذير في ضوء العرض السابق؟

موافقة الحكومة الأفغانية على المقترح التركي

تتعرض الحكومة الأفغانية منذ أسابيع لواحدة من أسرع نماذج فقدان السيطرة الميدانية واحتكار القوة الإكراهية، مع هذا الصعود الجارف لحركة طالبان التي باتت تسيطر الان على 205 من مقاطعات البلاد البالغ عددها 407. إذ باتت القوات الحكومية عاجزة عن وقف هذا التقدم الميداني، وبدت الحكومة كهيكل سياسي يعاني من الشلل فيما يرتبط بتكوين علاقات وشراكات استراتيجية مع دول الجوار، ما جعل الحكومة الأفغانية تنظر للمقترح التركي كونه طوق نجاة من سيناريو مروع محتمل لسقوط كابول خلال الأسابيع القادمة. حيث قالت وزارة الخارجية الأفغانية، إن نية تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول مطار كابل، هي دعم القوات المسلحة الأفغانية من أجل تحقيق السلام.

وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الأفغانية غران هيواد إلى أن تركيا دعمت دائمًا الحلول السلمية والمفاوضات من أجل حل المشاكل، وهدف أردوغان من هذه التصريحات هو كسب دعم وتعاون دول الجوار وفي مقدمتها باكستان، من أجل تحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان.

احتمالية إعادة تدوير ورقة المرتزقة السوريين

فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان قبل أسبوع، بأن تركيا تتفاوض مع مقاتلين سوريين معارضين في الحزام الأمني الخاضع لها بالشمال السوري، لإرسالهم إلى أفغانستان، لتأمين مطار كابول بعد انسحاب الولايات المتحدة. ونوّه المرصد إلى أن “هناك توافقًا بين المخابرات التركية وقادة الفصائل السورية الموالية لها سواء في عفرين أو مناطق أخرى تخضع لنفوذهم في سوريا، على إرسال مرتزقة من الفصائل إلى أفغانستان وتحديدًا إلى كابول، على غرار نقلهم إلى ليبيا وإقليم ناغورنو قره باغ”. 

وتشكل احتمالية إرسال المرتزقة السوريين إلى أفغانستان هاجسًا أمنيًا كبيرًا، ليس لطالبان فحسب وإنما للفواعل الإقليمية المنخرطة أيضًا في الميدان الأفغاني وتحديدًا (الصين + روسيا + إيران)، فالتركيبة العرقية للمرتزقة السوريين وهياكلهم العسكرية الحالية ترتبط تمس بصورة مباشرة الأمن القومي لمصفوفة القوي الثلاثة السالف ذكرها. حيث عملت الاستخبارات التركية طوال خمسة أعوام تقريبًا على تسهيل تشكيل حزام أمني بالشمال السوري يضم مقاتلين سوريين من العرقية التركمانية، وكذلك من اقلية الإيغور الصينية، وعناصر قوقازية لها باع في مواجهة الأنظمة الشمولية، لدرجة أن مؤسس تنظيم “ملحمة تاكتيكال”، أبو علي الشيشاني، والذي ينشط في جيب إدلب الشمالي الغربي؛ كان ضابطًا سابقًا في القوات الخاصة الروسية. 

وكذا، فإن تلك التوليفة تتشارك فيما بينها على العداء لتنظيم داعش، ونظام الملالي في طهران، والحكومة الصينية والروسية. ما قد يضع الميدان الافغاني كمنصة تهديد إقليمية تتجاوز الموروث التاريخي لتنظيم القاعدة هناك. الأمر الذي قد يهدد المكاسب التي حصدتها حركة طالبان منذ اتفاق السلام التاريخي بينها وحكومة الولايات المتحدة في فبراير 2020، لقاء مسؤوليها بوزير الخارجية السابق مايك بومبيو في نوفمبر من ذات العام.

احتمالية تنامي العلاقات التركية مع الكتلة الغربية

منذ أن اصطدمت تركيا بالجغرافيا السياسية في محيطها؛ تداعت مقدرات قوتها الشاملة بفعل العزلة الناجمة عن سياساتها العدائية وجنوحها للممارسات الأحادية ضمن دوائر سياسية خارجية تمتد من الخليج العربي وتمر بشرق المتوسط، وتنتهي عند أقاصي الغرب والوسط الافريقي؛ استدار وجه السياسة الخارجية التركية نحو الكتلة الغربية لكسب ودها وتثبيت تهدئة مرحلية للمشروع التوسعي التركي تُمكن صانع القرار في أنقرة من التقاط أنفاسه بعدما وصل لحافة الهاوية داخليًا وخارجيًا. 

وعليه؛ تتجه تركيا لتفعيل سياسة “المقايضة” ضمن ملفات تنخرط فيها، من ليبيا لشرق المتوسط للميدان السوري، ووصولًا للحرب بين أرمينيا وأذربيجان؛ أملًا في أن تقترب من المعسكر الغربي مقدمةً مقترحات لتقويض النفوذ الروسي والصيني في المنطقة والقيام بأدوار “الوكالة” لمجمل السياسات الأمريكية في المنطقة. 

وعليه؛ تخشي طالبان من أن يتحول الوجود العسكري التركي في أفغانستان لتشكيل هجين من القوات النظامية والمرتزقة، قد يأخذ على عاتقه مهمة تقويض نفوذ حركة طالبان نفسها نيابة عن الكتلة الغربية بقيادة واشنطن التي مازالت حتى وقت كتابة هذه السطور تبحث عن نقطة تمركز عسكرية جديدة لها ضمن 6 دول في اسيا الوسطي لمعالجة التهديدات الأمنية في أفغانستان. ليبرز سؤالًا آخرًا، عما قد تسفر عنه التوافقات التركية الامريكية في المسألة الأفغانية في إحدى دوائر المقايضة التركية في شرق المتوسط والتسوية الليبية تحديدًا.

Scroll Up