في جلسة مجلس الأمن حول السد الإثيوبي، الخميس الماضي، حملت كلمات مندوبي عدة دول لاسيما (الكبرى) منها علامات للظن بأن العالم يعاني اختلالا فكريا وجيوسياسيا وأخلاقيا، وصل إلى طور متقدم، وبأن معركة مصر لصيانة حقها في البقاء لن تكون يسيرة، بدت كلمات بعض المندوبين توطئة لسيناريو إجرامى، إذ بدلا من مناصرة حق 150 مليون مصري وسوداني في الحياة، عبر ضمان وصولهم الآمن إلى مكتسباتهم التاريخية من نهر النيل الذين يعيشون على ضفافه منذ بدء الخليقة، سقطت أوراق التوت وانكشفت سوءات تلك الدول، بعد أن أبدت ميلا بدرجة أو بأخرى للبهتان والتعنت الإثيوبي، إحدى هذه الدول مرت سفينة حربية أجنبية قرب شواطئها فأطلقت عليها النيران وطاردتها بالطائرات المقاتلة، وللعجب العجاب أنها تحذر القاهرة من استخدام القوة في قضية وجود وحياة. لقد باتت بعض الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن شريكا في تعظيم أزمة السد الإثيوبي ودفعها للاستعصاء، على مشارف حريق قد لا يبقي ولا يذر.

واهم من يتصور أن الأمر مجرد صدفة، فالتدبير قديم، سد النهضة، وغيره من السدود القادمة، هو مقترح أمريكي منذ ستينيات القرن الماضي؛ ردا على تأميم القناة ورفض السلام مع إسرائيل، ولا يمكن إنكار أن إثيوبيا نجحت في ربط السد بمصالح قوى دولية وإقليمية، تبحث عن نقطة ارتكاز في فنائه.. إلخ. لكن دوما أنوار الحقيقة أقوى من الظلمة، أشارت وسائل إعلام عالمية، إلى خطورة السد الإثيوبي حتى قبل الملء والتشغيل، ذكر تقرير نقلته صحيفة “سترايتس تايمز” عن وكالة “بلومبرج” الأمريكية، أن سد إثيوبيا يفسد الماء والحياة في إفريقيا، يغير سلوك النهر الطبيعي منذ الأزل، يحمل الهلاك- بالجفاف أو الغرق- لملايين السودانيين والمصريين، ما يجعله بؤرة لإشعال التوترات في المنطقة.

 كل ذلك دفع خبراء سودانيين لرفع مذكرة حول أخطار السد على بلادهم إلى مجلس الأمن والدفاع الوطني السوداني، مطالبين بإجراءات حاسمة للجم السلوكيات الإثيوبية التي تشكل تهديدا خطيرا للأمن والسلم الدوليين والقرن الإفريقي، وهو ما تردد صداه في كلمة مريم المهدي وزيرة الخارجية السودانية بجلسة مجلس الأمن. تماما مثلما عبرت كلمة سامح شكري وزير الخارجية بمنتهي الوضوح والقوة عن الشواغل المصرية.

لا بد لمن يريد أن يعي المشهد الدولي حول السد الإثيوبي، أن يدرك أن القوى المهيمنة عالميا لا ترغب في رؤية مصر دولة قوية؛ هذا تم تنفيذه مع تجربتي محمد علي وعبد الناصر، والآن يحاولون تكرار الحكاية نفسها. يحسبون استقرار مصر وتقدمها خطرا على هيمنتهم، لذلك يبذلون جهدهم لاصطناع العقبات في طريقها، وما أكثر الذرائع في جعبتهم. السد (السدود) الإثيوبية وغير الإثيوبية المقبلة رأس حربة في هجمة متعددة الأطراف، تستهدف وضع المحيط العربي والإفريقي بأكمله، في دائرة التبعية السياسية والاقتصادية، واجتثاث عوامل القوة والمنعة في دوله؛ فيسهل كسرها وتفتيتها وتحويلها إلى مخفر أمامي للقوى العظمى، تقود إثيوبيا العرب و(الأفارقة) إلى الغوص أكثر فأكثر فى بئر تاريخية، عالقين في صدام حضاري بين الشرق والغرب يُدمى العالم ويكدر أفق مستقبل الجميع.

إذن تواجه مصر اليوم أخطارا  لا سابق لها في تاريخها، لا يتعلق الأمر بانكسار في آليات النظام العالمي، بقدر ما يشبه غرق القارات بالمحيطات، في العصور الجيولوجية السحيقة؛ تدرك القاهرة أن دفن النعامة رأسها في الرمال لا يدرأ عنها الأخطار، وتعلم أن الظرف لا يقبل الاستسلام، وتعرف أنه لا بديل أمام المصريين سوى أن يتحدوا ويعبئوا طاقاتهم بوعي وحنكة، فهذا أوان التعاضد ونكران الذات وتوحيد الصفوف، لغة جديدة تتردد أصداؤها من قلب المحروسة، لغة الأقوياء التي لايفهم العالم سواها، وتلك هي روح مصر- تقدس اسمها- وحقيقتها التي تتجلى في الشدائد. لذلك أثق بقوة مصر وبقدرة القيادة السياسية على اتخاذ القرار المناسب في الوقت الملائم. علينا أن نخاطب “أسياد إثيوبيا” مباشرة بأن مصالحهم في خطر، فمن ليس معنا فهو ضدنا، كذلك مطالبة مجلس الأمن بوقف الملء الثاني، لحين التوصل لاتفاق ملزم، وخفض سعة السد من 74 مليارا إلي سعته الأولى 14 مليارا، وإلزام أديس أبابا باتفاقية 1902 واستعادة بني شنقول للسودان عند اللزوم، تعنت إثيوبيا نابع من اصطفاف “مناصريها”، لكنها دولة هشة علي وشك التمزق، ولن يشفع لها “اختلال العالم”!

أخيرا قل: النيل “نهر دولي”، ولا تقل: نهر عابر للحدود.

نقلا عن صحيفة الأهرام في عددها الصادر اليوم الأربعاء 14 يوليو الجاري

Scroll Up